البيئة في آيات محكمات

 

المقدمة

 

 

الحمد الله رب العالمين ، سنحاول في هذا البحث أن نربط كل آية كريمة نزلت في الذكر الحكيم بموضوع يمس البيئة التي نعيش فيها سوى هذا الموضوع يتعلق بصحة الإنسان أو سلوكه أو طريقة تعايشه داخل محيطه والنعم التي سخرها له خالقه ( وخلق كل شئ فقدره تقديرا(2) الفرقان) وسوف نتناول عدة مواضيع عن البيئة الطبيعية والبيئة المشيدة وعلاقاتها بالإنسان وكيف يراها الإسلام في كتاب الله العزيز الحكيم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم

 

 

 

 

 

 

 

 

البيئة ومفهومها وعلاقتها بالإنسان:

البيئة,,,, لفظة شائعة الاستخدام ويتفق العلماء في الوقت الحاضر على أن مفهوم البيئة يشمل جميع الظروف والعوامل الخارجية التي تعيش فيها الكائنات الحية وتؤثر في العمليات التي تقوم بها. فالبيئة بالنسبة للإنسان الإطار الذي يعيش فيه والذي يحتوي على التربة والماء والهواء وما يتضمنه كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة من مكونات جما دية، وكائنات تنبض بالحياة. وما يسود هذا الإطار من مظاهر شتى من طقس ومناخ ورياح وأمطار وجاذبية و مغناطيسية..الخ ومن علاقات متبادلة بين هذه العناصر.
فالحديث عن مفهوم البيئة إذن هو الحديث عن مكوناتها الطبيعية وعن الظروف والعوامل التي تعيش فيها الكائنات الحية.

 

 

وقد قسم بعض الباحثين البيئة إلى قسمين رئيسين هما:-
1. البيئة الطبيعية:- وهي عبارة عن المظاهر التي لا دخل للإنسان في وجودها والتي أوجدها الله سبحانه وتعالى
( الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون
(10) والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وانا إلى ربنا لمنقلبون (14) ) الزخرف)  وقال تعالى    (أن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) البقرة : 164  

 2. البيئة المشيدة:- وتتكون من البنية الأساسية المادية التي شيدها الإنسان ومن النظم الاجتماعية والمؤسسات التي أقامها، ومن ثم يمكن النظر إلى البيئة المشيدة من خلال الطريقة التي نظمت بها المجتمعات حياتها، والتي غيرت البيئة الطبيعية لخدمة الحاجات البشرية، وتشمل البيئة المشيدة استعمالات الأراضي للزراعة والمناطق السكنية والتنقيب فيها عن الثروات الطبيعية وكذلك المناطق الصناعية.
والبيئة بشقيها الطبيعي والمشيد هي كل متكامل يشمل إطارها الكرة الأرضية،
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون
(10) ) الأعراف.                                        أذا لو أردنا معرفة البيئة في المفهوم الفلسفي لها سوف نستعرض ما عرفه العالم الألماني   ارنست هيجل "  Ernest Haeckel "  عام 1866 إفرنجي بعد دمج كلمتين يونانيتين هما Oikes  ومعناها مسكن و Logos ومعناها علم وأصبحت تشكل مــــع بعـــــضها عبارة     "علم البيئة" وهو العلم الذي يدرس علاقة الكائنات الحية بالوسط الذي تعيش فيه ويهتم هذا العلم بالكائنات الحية وتغذيتها، وطرق معيشتها وتواجدها في مجتمعات أو تجمعات سكنية أو شعوب، كما يتضمن أيضاَ دراسة العوامل غير الحية مثل خصائص المناخ (الحرارة، الرطوبة، الإشعاعات، غازات المياه والهواء) والخصائص الفيزيائية والكيميائية للأرض والماء والهواء.
يمكن تقسيم البيئة، وفق توصيات مؤتمر ستوكهولم، إلى ثلاثة عناصر هي:-
1. البيئة الطبيعية:- وتتكون من أربعة نظم مترابطة وثيقاً هي: الغلاف الجوي، الغلاف المائي، اليابسة، المحيط الجوي، بما تشمله هذه الأنظمة من ماء وهواء وتربة ومعادن، ومصادر للطاقة بالإضافة إلى النباتات والحيوانات، وهذه جميعها تمثل الموارد التي أتاحها الله سبحانه وتعالى للإنسان كي يحصل منها على مقومات حياته من غذاء وكساء ودواء ومأوى
( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون
(44) ) ( يونس)

2. البيئة البيولوجية:- وتشمل الإنسان "الفرد" وأسرته ومجتمعه، وكذلك الكائنات الحية في المحيط الحيوي وتعد البيئة البيولوجية جزءاً من البيئة الطبيعية.
3. البيئة الاجتماعية:- ويقصد بالبيئة الاجتماعية ذلك الإطار من العلاقات الذي يحدد ماهية علاقة حياة الإنسان مع غيره، ذلك الإطار من العلاقات الذي هو الأساس في تنظيم أي جماعة من الجماعات سواء بين أفرادها بعضهم ببعض في بيئة ما، أو بين جماعات متباينة أو متشابهة معاً وحضارة في بيئات متباعدة، وتؤلف أنماط تلك العلاقات ما يعرف بالنظم الاجتماعية، واستحدث الإنسان خلال رحلة حياته الطويلة بيئة حضارية لكي تساعده في حياته فعمّر الأرض واخترق الأجواء لغزو الفضاء.
وعناصر البيئة الحضارية للإنسان تتحدد في جانبين رئيسيين هما أولاً:- الجانب المادي:- كل ما استطاع الإنسان أن يصنعه كالمسكن والملبس ووسائل النقل والأدوات والأجهزة التي يستخدمها في حياته اليومية، ثانياً الجانب الغير مادي:- فيشمل عقائد الإنسان و عاداته وتقاليده وأفكاره وثقافته وكل ما تنطوي عليه نفس الإنسان من قيم وآداب وعلوم تلقائية كانت أم مكتسبة.

وهنا يتبادر إلي أذهاننا السؤال التالي كيف خلق الله البيئة الطبيعية والإنسان ؟ أو بمعنى أخر كيف خلق الله الكون ؟ وهل كنا هناك ؟ !

 

الإنسان دائما يغلب عليه طابع الفضول ويرغب دائما في معرفة ما يدور حوله ويتحقق من الأشياء الظاهرة والباطنة منها وخصوصا الأخيرة دائما يشده الغيب ومعرفة الغموض وهذا ماجعل الإنسان يستكشف الكثير من الأستكشفات ويصل إلى ما وصل إليه العالم من التطور والتكنولوجيا وسيكون أول موضوع لنا في هذه السلسلة بعون الله كيف خلق الله الكون؟؟؟

 

 عندما بدأ الانفجار العظيم الذي أدى إلي تناثر المادة في الكون واتخذت أشكالها الملتهبة من الكواكب والكويكبات والمذنبات والتراب الكوني والأشعة الكونية ( يا معشر الجن والإنس إن استطعتم إن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فأنفذوا لا تنفذون إلا بسلطان(33)الرحمان), كان ذلك من 13 إلى 15 ألف مليون سنة مضت والإنسان كما يقول العلماء (تحديدا جسم الإنسان) يتكون من ذرات لامتناهية الكثافة( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا(2) الإنسان),, معنى هذا الكلام أن مادة جسم الإنسان عمرها من13 إلى 15 ألف مليون سنة لأن البروتونات والالكترونات والنيوترونات القديمة هي نفسها, إذ أمكن تقسيم الذرة إلى واحد على ألف مليون من المليمتر الواحد على ألف مليون من الثانية هل يمكن أن نتخيل ذلك (ويرى الذين أتو العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد(6) سبأ ) والعلم الصحيح لابد أن يؤدي إلى الأيمان ولا يمكن أن يحدث تعارض بين الحقائق العلمية والقرآن أضف أن القرآن تعرض لقضايا علمية كثيرة والتي سنعرض جانب منها و منها موضوع خلق الكون , الزمان , المكان والتي تشكل البيئة التي نعيش فيها و الذي نحن بصدده الآن والقرآن يشير إلى أن خلق الله الكون في ستة أيام والأيام عند الله هي فترات زمنية وليست أياما بالمعنى الأرضي لأن الزمن نسبي وليس مطلق وهو ما يتفق مع معطيات العلم الحديث والنظرية النسبية, وللزمن في حياة الكائنات الحية وغير الحية أهمية كبيرة , فكلنا يهتم بقياس الزمن كمحدد للعمر لذا أتجه العلماء لدراسة العناصر المشعة بعد أن تأكدوا أنها عندما تنحل إشعاعيا تتحول إلى رصاص والغريب أن الشعاب المرجانية هي كذلك عندما تنحل تتحول إلى رصاص !!! وقد أستخدم العلماء بعض المواد المشعة كاليورانيوم والكربون 14لتحديد عمر الأرض كما أستخدم العلماء ظاهرة تمدد الكون واتساعه المستمر لتعين عمر الكون وطالما أن الكون له بداية زمنية محددة فلا بد أن يكون قد أوجده ( مبدئ ) (انه هو يبدئ ويعيد(13) البروج) لأنه لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه وقد وجه القرآن  للإنسان رسالة صريحة للبحث عن نشأة الكون ويقول الله سبحانه ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) والتعبير القرآني بالسير في الأرض وليس عليها يشير إلي البحث في الطبقات الجيولوجية للأرض للتعرف على نشأتها ونشأة المملكة النباتية والحيوانية وعلى بداية الخلق بجميع أنواعه بما فيه الكون.

وقوله تعالى ( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ) المقصود هنا بالأيام : المراحل أو الحقب الزمنية لخلق الكون وليست الأيام التي نعدها نحن البشر بدليل عدم الإشارة إلى عبارة (مما تعدون ) وقوله عز وجل ( الله الذي خلق السماوات و الأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوي على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) وقد أجمع المفسرون على أن الأيام الستة للخلق قسمت إلى ثلاثة أقسام متساوية كل قسم يعادل يومين بالمفهوم النسبي للزمن وقوله (وما مسنا من لغوب ) سبحانه لم يمسه التعب في خلق هذا الكون الفسيح .   

 

 

 

أولا : يومان لخلق الأرض من السماء الدخانية الأولى قوله تعالى ( أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانت رتقا ففتقناهما ) وهذا دليل على أن السموات والأرض كانتا في بيضة كونية واحدة "رتقا" ثم انفجرت (ففتقناهما ) .

ثانيا :  يومان لتسوية السماوات السبع طبقا لقوله (فقضاهن سبع سماوات في يومين ) وهو يشير إلى الحالة الدخانية للسماء ( ثم استوي إلى السماء وهي دخان ) بعد الانفجار العظيم بيومين.

ثالثا : يومان لتدبير الأرض جيولوجيا وتسخيرها لخدمة الإنسان ويقول سبحانه ( و جعل فيها رواسي من فوقها ) وهو ما يشير إلى جبال نيزكيه سقطت واستقرت على قشرة الأرض فور تصلبها وقوله تعالى ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) أي أنه خلق فيها أنهارها و أشجارها ودوابها استعداد لاستقبال الإنسان ( في أربعة أيام سواء للسائلين ) .

 

 

 

 

 

نرجع إلى استخدام الانحلال الإشعاعي لليورانيوم وتحوله إلى الرصاص لقياس عمر الصخور الأرضية والنيزكيه , عندما تصلبت القشرة الأرضية وكان ذلك منذ 4,5 مليار سنة وقد أثبت العلماء أن هذا الرقم هو عمر الصخور الموجودة على القمر أيضا لذا أستخدم العلماء حديثا الكربون المشع لتحديد عمر الحفريات النباتية والحيوانية وتاريخ الحياة على الأرض وبهذا أثبت العلماء أن الإنسان زائرا متأخر لكوكب الأرض بعد أن سخر له الله ما في الأرض حتى ولو أن المادة التي خلق منها الإنسان خلقت مع بداية الخلق وهي قديمة كما أسلفنا الذكر ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) الإنسان) . أذا لو أخذنا الرقم الذي حدده العلماء لعمر الأرض (4.5 مليار سنة ) والى ما أشارت إليه الآية الكريمة (فصلت) من أن الكون خلق في ستة أيام وقسمت الستة أيام إلى ثلاث مراحل أذا لو ضربنا 4.5 في 3 يصبح عمر الكون كله 13.5 مليار سنة وهذا من بداية لحظة الانفجار فالأبحاث كلها تدور حول تحديد عمر الكون منذ الانفجار العظيم و يسمى في الفيزياء الكونية          (Big Bang ) ويقدر العلماء عمر الكون بطرق مختلفة فمنهم من يحددها بظاهرة تمدد الكون والإزاحة الحمراء والرقم كان من 10الى 18 مليار سنة ولكن العالمين فاولار و هويل استخدما طريقتين نوويتين أعطت نفس النتيجة والرقم وهو 13الى 15 مليار سنة .

 

 

 

 

 

 

   

 

أذا البيئة التي يعبث بها الإنسان و يتناسى هذا الخلق العظيم ويحاول أن يفسد فيها وهو لا يدرك حجم الكوارث التي سيسببها و أن لم يتدارك الأمر ويفكر ألف تفكير في الوضع البيئي للأرض سيحقق كارثة لا نعرف ما مدها لأن وكما نعرف التطور الذي يشهده العالم والتكنولوجيا الحديثة لم تراعي النظام البيئي داخل منظومة المجتمعات وإنما كان همها الربح بالدرجة الأولة وأصبح العالم وخصوصا أنصار البيئة الآن يتخوفون من ما قد يحدث في المستقبل القريب أو البعيد و نحن نأمل ألان أن يصبح كل فرد واعي للأضرار البيئية الناجمة عن التلوث سوى على اليابس أو في المياه أو حتى في طبقات الجو العليا وما يعانى الكون ألان من الاحتباس الحراري وانقراض لبعض الكائنات الحية والثقوب في طبقة الأزون والأمراض والأوبة وما يعاني من الفيضانات والزلازل والتلوثات النفطية والقائمة تطول ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون(41) الروم ) .                           وسنحاول في المواضيع والبحوث القادمة تسليط الضوء عليها من منظور أسلامي وكيف أن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه وجعله دليل لكل من استعصى عليه السير في الأرض التي خرج منها وفيها معاشه ووضع المقاييس والمعايير والحدود والضوابط لكي لا يحدث الخلل الذي تخوفت منه حتى الملائكة عندما أراد الله خلق الإنسان ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لاتعلمون(30) البقرة)  والنبي الأمي الذي أتى بهذه المعجزة من 14 القرن مضت التي أيده بها الله بالرغم من أنه لا يجيد الكتابة والقراءة  ترى العلماء اليوم عندما يعجزون على  فهم ظاهرة حتى من غير المسلمين يستنجدون بالمسلمين لامتلاكهم هذا الكتاب العظيم الذي أحتوى على عدة أعجزات تم ويتم اكتشافها حديثا حيرت العلماء     وعليه سنتناول في الموضوع القادم الجبال وهي أحد مكونات البيئة الطبيعية انتظرونا.

 

 

 

المراجع