عندما يتجاوز الإنسان حدوده

يعنى التلوث البيئي كما عرفه معظم المتخصصين ( كل تغير كمي أو نوعى أو كيفي في مكونات البيئة الحية وغير الحية، ولا تقدر الأنظمة البيئية على استيعابه دون أن يختل توازنها) وبما أننا بصدد جزئية من مجموعة التوازن البيئي والتغير الكمي تقع ضمن المجال الحيوي للكرة الأرضية التي يجد فيها الإنسان الظروف والعوامل البيولوجية اللازمة لحياته والحفاظ على استمرارية أنشطته الإنتاجية المتعددة فيمكن القول بأن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون بقدر وبتوازن دقيق وميزان بالغ الدقة وبتركيب وتواتر محسوب بإتقان فجعل من البشر أمة ومن الجن أمة ومن بقية المخلوقات سوى كانت من أنعام أو دواب أو زواحف وطير أمما ويبدو هذا واضحا في قوله تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون)الأنعام"38" وما من شئ خلقه البارئ المصور إلا لحكمة لا يعلمها إلا هو جلت قدرته والراسخون في العلم يجدون ويجتهدون بما فتح الله عليهم وأفاء لهم على جوانب تلك الكم ليتفكر المتفكرون ويتأمل المتأملون ويتعظ المتعظون وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم والجزئية التي نحن بصددها في هذه المناسبة هي الصيد بشقيه صيد البر وصيد البحر والصيد يكاد يكون أول ما عرف الإنسان الأول على وجه الأرض حتى قبل استئناس الكثير من الحيوانات وكان يحصل منها على الغذاء والكساء ويستخدم أجزاء منها في المسكن والمتاع ومع تدرج الإنسان على مدا رج التطور والنمو استمر الصيد والقنص في البر والبحر مصدر عيش للكثيرين من أبناء البشر في مختلف أصقاع المعمورة بل صار مهنة للكثير من المجتمعات وإن صار في مجتمعات حديثة أخرى رياضة ومصدر ترفيه.

    رخصة الصيد والصيد الجائر

 قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ومع نزول القرآن الكريم نزلت العديد من الآيات التي أحلت صيد البر والبحر وحددت إجمالا أصوله وقواعده بالنص حينا وبالقياس حينا آخر وجعلت له حدودا وقيودا من ذلك تحرم صيد البر عند الإحرام في الحج والعمرة والتي أجمع المفسرون على أن الصيد أو القنص في غير هذه الحالة " أي الإحرام " مباح لقوله تعالى (وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) المائدة"2" كما جاء في الآيات الثلاث 94-96 من سورة المائدة أيضا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم* يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام * أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما واتقوا الله الذى إليه تحشرون ) ومن الملاحظ أن المولى جل وعلا خص بالخطاب في مستهل الآيات السابقة ( الذين آمنوا ) أى إن أيا من المؤمنين يسمع هذا الخطاب يجب عليه أن يعيرها السمع وكل الأحكام تأتي إما لخير يأمر الله به أو شر ينهى عنه ولاشك في أن المؤمن مكلف ومعنى بالتقيد قولا وعملا بتعاليم الخالق سبحانه وتعالى وكذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) المائدة"1" فثمة إجماع على أن العهود بمعنى ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حدد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا لقوله جل من قائل ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) الرعد"25" وكذلك المواثيق في قوله تعالى (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور) المائدة"7" ويستدل على إباحة الصيد بالنص القرآني القائل ( وإذا حللتم فاصطادوا ) والصيد ما دام لإشباع الحاجة وبالطرق والكيفية التي رخص بها الدين الحنيف لا غبار عليه ولكن الصيد الجائر الذى يؤدى إلى هلاك النسل كما جاء في النص القرآني الواضح قول الله سبحانه وتعالى ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) البقرة"204-205"  ولا شك في أن إفساد أو "إتلاف" الحرث أو الزرع وكذلك النسل بالنسبة للمخلوقات يلحق إخلالا بالتوازن البيئي كما خلقه وأراده الله سبحانه وتعالى الذى خلق كل شئ بموازين ومواصفات محددة وبقدر معلوم.

والصيد الجائر أو المبالغ فيه علاوة على كونه يمثل إفساد وقضاء على النسل والله سبحانه وتعالى لا يحب الفساد والفساد علاوة على كونه يعنى إتلاف كل ما هو نافع للإنسان فهو ضد الصلاح والإصلاح الذى ألزم الله به المسلمين كما أن قواعد الصيد لها ضوابطها وقيودها المتعارف عليها والتي ينبغي لكل إنسان عاقل التقيد بها والالتزام بآدابها وأدبياتها ومن ذلك :-

 أولا: أنه ينبغي ألا يتعدى حدود إشباع الحاجة وإلا أصبح إبادة للنسل.

 ثانيا: الالتزام بعدم صيد الأنثى خاصة في موسم التكاثر.

 ثالثا: ألا تتعدى فترة الصيد المدة المحددة التي تعقب فترة نمو الصغار.

أما ما نشاهده ونسمع عنه من أمور تتعلق بالفخر والمفاخرة بعددها بمعنى أن شخصا ما وصل إلى عشرين أو ثلاثين شاة غزال على سبيل المثال ودون تمييز بين كبير وصغير أو ذكر أو أنثى فهذه تمثل إفناء جنس خلقه الله لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى وتدخل في جانب الفساد والله لا يحب المفسدين كما تدخل في جانب الإسراف والله لا يحب المسرفين فلنأخذ من الصيد هواية تزيد من تمرسنا في الرماية والرياضة للترويح عن النفس وكلتاهما ينبغي ألا تتعدى إشباع الحاجة وألا ننساق ورأها للإهلاك النسل.